محمد عبد الله دراز

331

دستور الأخلاق في القرآن

لقد دارت المناقشة في النّظريات الّتي ترفض كلّ ما عداها - كما نرى - حول الأعمال الظّاهرة . وقد كان السّؤال هو أن نعرف من هو خالق حركاتنا الخارجية ، الّتي تسمى : الإرادية ؟ . . - « إنّه نحن » - كما أكده بعضهم ، دون تدخل من اللّه . - « إنّه اللّه » - كما قال آخرون ، دون مشاركة منا . وكانت المدرسة الثّالثة تعتقد أنّها تمسك بطرفي السّلسلة ، حين تقول : ( إنّه اللّه ، مع تدخل إرادتنا ) بيد أنّ القائلين بهذا الحكم لم يلبثوا أن ميزوا الجانب الحقيقي في المشكلة ، ووضعوه في المصطلحات الّتي تناسبه . فقد لاحظوا أنّ ممارسة الإرادة هو نفسه - حدث يقتضي بيانا ، فتساءلوا على الفور : من ذا الّذي يوجه ويدبر إرادتنا ؟ . . ولكي يجيبوا عن السّؤال بهذه الصّورة انقسموا إلى طائفتين : القائلين بسبق القضاء ، وهم تلاميذ أبي الحسن الأشعري ( المتوفّى في بغداد عام 324 ه ) ، وخصومهم تلاميذ أبي منصور الماتريدي من بخارى ( توفّي عام 303 ه في سمرقند ) . وهكذا عادت النّظريات الجديدة إلى نفس الموقف المضاد الّذي تجادل حوله سابقوهم ، بعد أن نقلوه إلى مجال الفعل الجواني فقط ، وهنا أيضا لم تقصر البراهين القرآنية من جانب وآخر . فعلى حين نجد القرآن في بعض المواضع ينسب إلى الإنسان القدرة على نفسه ، ليتغير إلى شرّ ، أو إلى خير ، نجد أننا إذا أخذنا بعض المواضع بحروفها فإنّها تقر أن إرادتنا تشبه تماما قلبنا ، وذكاءنا ،